عمر السهروردي
537
عوارف المعارف
الرضى ومقام الرضى ، والخوف والرجاء مقامان شريفان من مقامات أهل اليقين ، وهما كائنان في صلب التوبة النصوح ، لأن خوفه حمله على التوبة ، ولولا خوفه ما تاب ، ولولا رجاؤه ما خاف ، فالرجاء والخوف يتلامان في قلب المؤمن ، ويعتدل الخوف والرجاء للتائب المستقيم في التوبة . دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على رجل وهو في سياق الموت فقال كيف تجدك ؟ قال : أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربى ، فقال : ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه اللّه ما رجا وآمنه مما يخاف . وجاء في تفسير قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ « 1 » هو العبد يذنب الكبائر ثم يقول قد هلكت لا ينفعني عمل . فالتائب خاف : فتاب ورجا المغفرة ، ولا يكون التائب تائبا إلا وهو راج خائف . ثم إن التائب حيث قيد الجوارج عن المكاره ، واستعان بنعم اللّه على طاعة اللّه ، فقد شكر النعم ، لأن كل جارحة من الجوراح نعمة ، وشكرها قيدها عن المعصية ، واستعمالها في الطاعة . وأي شاكر للنعمة أكبر من التائب المستقيم . فإذا جمع مقام التوبة هذه المقامات كلها ، فقد جمع مقام التوبة حال الزجر ، وحال الانتباه ، وحال التيقظ ومخالفة النفس ، والتقوى ، والمجاهدة ، ورؤية عيوب الأفعال ، والإنابة ، والصبر ، والرضى ، والمحاسبة ، والمراقبة ، والرعاية ، والشكر ، والخوف ، والرجاء . وإذا صحت التوبة النصوح وتركت النفس ، وانجلت مرآة القلب ، وبان قبح الدنيا فيها ، فيحصل الزهد ، والزاهد يتحقق فيه التوكل ، لأنه لا يزهد في الموجود إلا لاعتماد على الموعود ، والسكون إلى وعد اللّه تعالى هو عين
--> ( 1 ) سورة البقرة : آية رقم : 195 .